السبت، 31 مايو، 2014

كانت






 الموقف ده حصل من حوالي 8 سنين .. موقف عابر ممكن أي حد يتعرض له ..لكن الشخصية اللي هتكلم عنها قدرت تصمد في ذاكرتي المنهكة طول الفترة دي .

الساعة 9 صباحا كنت واقفة في طابور البنك و تحديدا كنت رقم أتنين في الطابور .. رقم واحد كانت سيدة أربعينية مظهرها ملفت إلى حد ما .. وده لأن ملابسها و طريقة تصفيف شعرها يدولك إيحاء أنك رجعت لفترة السبعينات .. ومش بس كده لأ هوانم السبعينات بالأحرى .
اللي فكراه الجيب الحمرا والجاكيت الكاروهات أبيض في أسود و الحذاء بالكعب العالي ده غير الورده اللي في شعرها و شنطتها الصغيرة و اللي كانت مناسبة لحجم جسمها الضعيف .
كان واضح عليها جدا إنها مضطربة و مش مرتاحة لوجود ناس حواليها .
بعد عشر دقايق اتكرم موظف البنك و بدأ يشتغل
 وسألها : سحب ولا أيداع ؟
ردت بصوت مهذب : لو سمحت عاوزة أعرف حسابي فيه كام الأول
بطريقة آلية فتح حسابها على الكمبيوتر ..
 ورد عليها  : الحساب فاضي .
ردت بنفس الصوت : لأ معلش راجع تاني أكيد في غلطة .
قالها الموظف و هو بيبصلها بنوع من التعالي : الحساب فيه 10 جنيه .. خمسة من الأول و خمسة فوايد .

اختلست النظر حواليها و قالتله بإحراج : طيب لو سمحت أسحب خمسة و أسيب خمسة عشان الحساب ميتقفلش .
رد الموظف بصوت عالى كأنه متعمد يخلي الناس تسمعه : خمسه أيه ؟!!
المرة دي ردت بصوت مبحوح ومخنوق بالدموع ومحاولة للصمود : خمسة جنيه .

بصلها الموظف كأنها متسولة أو مجنونة بترمي بلاها عليه
 و قالها :  الخمسة جنية مش مستاهلة أعمل إجراءات سحب ومعلش في ناس منتظرين وراكي .. لو سمحتي أتفضلي .

لفت وتوجهت لباب الخروج و هي حاطه عنيها في الأرض لأنها كانت متأكده إن الكل بيبصلها .. وللأسف دي كانت الحقيقة .

للحظة كنت هخرج وراها لكن الموظف سحب دفتر حسابي و بطاقتي من أيدي .. ولما ألتفتله كان بيبصلي و بيبتسم كنوع من التهكم عليها .
خلصت بسرعة و خرجت تقريبا جري .. ودورت عليها لكنها أختفت .

مش عارفه كنت رايحة وراها ليه .. ولو حبيت أساعدها هقولها أيه .. لأنها مش متسولة .. هي سيدة كل غلطتها كانت أنها طلبت حقها حتى ولو كان بسيط .

كلام كتير و أسئلة متداخلة فضلت تلف في راسي زي الدوامة ..
 يا ترى الست دي كانت محتاجة الخمسة جنية بشدة ليه ؟؟ جايز محتاجة أكل ؟؟ أو على الأقل فلوس مواصلات تخليها تقدر توصل لحد تعرفه تستنجد بيه ؟؟ أو حتى توصلها لمكان تقبض منه معاش ؟؟

طيب و الموظف اللي رفض يعمل شغله و اعتبر نفسه بيتفضل على الناس بالكرسي اللي هو قاعد عليه .

فضلت على الحال ده لغاية ما أكتشفت أني وصلت بيتي مشياً على الأقدام .

في البيت فتحت شنطتي و لما شفت المبلغ اللي سحبته من البنك حسيت أد أيه هو كبير .. و أني مهما كنت محتجاله ففي النهاية احتياجاتي دي ممكن تكون مجرد رفاهية وكماليات عند ناس كتير عايشين حوالينا و مش بنحس بيهم .

القصة المحبطة دي حقيقية لكن مش نشراها هنا علشان أحبط حد .. بالعكس أنا كتبتها علشان كل واحد يقراها يفكر على الأقل مرتين قبل ما يجرح إنسان خصوصا لو كان بيطلب حقه .

بقلمي
شخابيط

الأربعاء، 26 مارس، 2014

من مذكرات جنيه مصري



في البداية أحب أعرفكم بنفسي
أنا جنيه مصري واحد فقط لا غير .
التاريخ اللي مكتوب عليا بيقول إني مطبوع سنة 1995 .
أنهارده قررت أكتب يوم من مذكراتي ..أو بمعنى أدق آخر يوم عمل ليا قبل أجازة طويلة ..لأني وبلا فخر
موجود حاليا جوه علبه قطيفه حمرا و حواليا ورد مجفف و شوية كروت فيها كلام حب .يمكن يكون مُستغرَب أني هكتب يوم واحد لكن لكل شئ سبب .. الحقيقة أني أتعودت أمسح يوم بيوم من ذاكرتي من كتر اللي بشوفه من الناس واللي بتبان طباعهم الحقيقية و هم بيتعاملوا مع الفلوس .. لكن أكيد مش كلهم وحشين ..
اليوم الأخير بدأ لما كنت في الدرج الخشب عند عم عبده بياع الجرايد و جه واحد اشترى منه جرنال و أخدني مع الباقي .
عرفت بعد كده ان الواحد ده موظف في إدارة تعليمية و أسمه الأستاذ محمود ..
في طريقه للشغل مر الأستاذ محمود على عربية فول و بعد ما فطر دفع الحساب من الجنيهات الفضة و احتفظ بيا أنا في جيب القميص .
أول ما وصل شغله و قعد على مكتبه و طلب الشاي بدأ يقرا الجرنال و هو بيرد من وقت للتاني على زمايله اللي بيتكلموا في مواضيع كتير كلها مع بعض و هم بيخلصوا أوراق الناس اللي بدأت تتوافد على مكاتب الموظفين ... لكن واضح أن الأستاذ محمود مكنش فاضي للشغل لأنه كان مهتم جدا بقراية الجرنال و حل الكلمات المتقاطعة و كان أوقات يمضي ورقة أو أتنين و هو متضايق جدا و مش طايق نفسه .. و كل شوية كان تليفونه المحمول بيرن و كان بيخرجه من جيب القميص و يقفل و ميردش و هو بيقول أستغفر الله العظيم .
وفي مرة من المرات قرر يرد وسمعته بيقول بالحرف " أيوا في أيه ..عايزة أيه ؟؟ هو أنتو مبتشبعوش طلبات ؟؟ هتنيل أشوف حد يسلفني منكم لله ؟؟ طيب اقفلي بقا أنا مش فاضي .. سلام " .
قبل معاد أنتهاء يوم الشغل طَلّع الأستاذ محمود ظرف من درج مكتبه و أخد منه خمسين جنيه و حطها في جيب القميص  معايا و هو بيقول ... "حسبي الله و نعم الوكيل هو الواحد ميعرفش يشيل حاجة لنفسه على جنب أبدا ؟!! ".
بعد ما خِلص يوم الشغل خَرَج الأستاذ محمود و أخد جرناله و ركب ميكروباص و برضو دفع الأجرة من الجنيهات الفضه اللي في جيب البنطلون و أحتفظ بيا ..
في البيت و هو لابس بيجامته المقلمة و اللي كان قافلها لغاية آخر زرار أخدني مع باقي فلوسه و حطنا في جيب البيجامة اللي فوق برضو .
بعدها عطا لمراته الخمسين جنيه و هو بيقولها أنا أستلفتهم و أعملي حسابك هيتخصمو من مرتب الشهر الجاي  ..
مراته أخدتهم و فضلت تدعيله إن ربنا يوسع رزقه .
على الغدا ..
 الأستاذ محمود : ابقي جهزيلي هدومي عشان نازل القهوة بعد الغدا .
مراته : مش هتنام شوية زي كل يوم ؟
الأستاذ محمود : لأ مليش نفس أنام .. هو تحقيق ؟
مراته : لا يا خويا كفاله الشر تحقيق أيه .. أنا بس كنت عيزاك في موضوع كده بس لما تبقا رايق .
الأستاذ محمود : هو أنا بروق ولا برتاح أبدا .. أتفضلي يا ستي أشجيني .
مراته : لا أبدا بس البت جايلها عريس .
الأستاذ محمود : عريس !! عريس أيه بقا إن شاء الله و أنا معايا فلوس للكلام ده ؟
مراته : يا خويا لسه بدري على ما تتجوز و من هنا لوقتها يكون ربنا سهلها و أنا هبيع نصيبي في البيت اللي في البلد متشيلش هم ..بس البت عدلها جه و هي مش غاوية علام يبقا أيه لزوم أننا نقول لأ .
الأستاذ محمود : و مصاريف الضيافة و الذي منه ؟ .
مراته : معلش ياخويا أنا هتصرف بالخمسين جنيه .
الأستاذ محمود : ربنا ينكد عليكي يا بعيده .. بقا أنتي خليتيني أستلف من اللي يسوى و اللي ميسواش عشان كده ؟
مراته بمكر و دهاء : خلاص بلاش خد الخمسين جنيه و أنا هعتذر للناس و يادار مدخلك شر بس متزعلش روحك.. والله خساره العريس ده واد أبن ناس و أبوه عنده بدل الدكانة تلاتة .. و شقته موجوده ده غير أنه بيشتغل في ملك أبوه . بس خلاص الأمر أمرك .( قالتها و هي بتمد إيدها بالخمسين جنيه بعد مخرجتها من فتحة صدر الجلابية  ).
الأستاذ محمود وهو بيتظاهر أنه مش شايف الفلوس و باصص في طبقه : أنتي قلتيلي أبوه عنده محلات أيه ؟
مراته و هي بتداري بريق الأنتصار في عينيها : أدوات منزلية و أجهزة كهربا .. ده مليونير يا خويا عقبال أملتك .. و أبنه شاف البت وهي خارجة من المدرسة و مشي وراها للبيت و بعت أمه أنهارده الصبح تجس النبض .
دي ما شاء الله عليها و على الدهب اللي في أيديها و صدرها .. بس أنا قلتلها لما أشور أبوها الأول .. آه .. هو أحنا لينا بركة غيرك ؟
الأستاذ محمود : إحِم .. طيب خلاص خِلِصنا.. ابقي قوليلهم يتفضلوا يوم الخميس ع المغربية . لما نشوف أخرتها .
في اللحظة دي خرج أمجد الأبن الكبير من أوضته و سلم على أبوه و قاله : بابا محتاج فلوس عشان أصور ورق .
الأستاذ محمود مردش وكأنه مسمعش حاجة وكمل أكل .
أمجد : بابا أنا بكلم حضرتك .
الأستاذ محمود : أستغفر الله العظيم .. أبيعلكم هدومي عشان ترتاحو ؟
أمجد : معلش يا بابا أنا أسف هي بس خمسه جنيه عشان أصور كتاب من صاحبي .
الأستاذ محمود و الشرر بيطق من عنيه : خمسه جنيه لما تلهفك أنت و أختك في يوم واحد .. وأرتاح منكم .. مش كفاية الدروس الخصوصية يا فاشل ؟ ده أنا عمري مخدت درس في حياتي كلها .
أمجد : يا بابا الكتاب أصلا تمنه خمستاشر جنيه لو أشتريته و أنا محتاجه ضروري .. دي ثانوية عامة .
الأستاذ محمود : هم تلاتة جنيه مفيش غيرهم و لو مش عاجبك بلاش .
أم امجد دخلت في الحوار : خدهم يا أمجد و صور نص الكتاب و بكرا إن شاء الله أنا هكملك الفلوس .
الأستاذ محمود : أيوا ياختي وبعدين تقوليلي أستلف ... منكم لله سديتو نفسي .
في الوقت ده كان محمود أخد التلاتة جنيه و أنا من ضمنهم و نزل بسرعة جدا . مكنش مضايق وكان واضح عليه إن دا روتين هو متعود عليه مع والده . الحقيقة لو ليا رأي مكنتش دخلت جيب الأستاذ محمود أبدا ..
أمجد مرحش الدرس على طول .. لأن كان في بنت مستنياه قبل بيت المدرس بشوية خطوات .. سلمت عليه و مشيو جنب بعض و كنت سامع دقات قلب أمجد و أنا في جيبه..
الحوار اللي دار بينهم كان
أمجد : على فكرة أنتي وحشتيني أوي متيجي نتمشى وبلاش الدرس أنهارده .
ياسمين : لأ يا أمجد المرة اللي فاتت ماما سألتني أخدتي أيه أنهارده و أنا كنت هموت من الرعب و حسيت أنها عرفت .
أمجد : خلاص بس هعزمك على عصير قصب و أحنا مروحين .على فكرة أختي جالها عريس .. عقبالنا .
ياسمين : أبتسمت في حياء .و قالتله مبروك .
وهم قاعدين في الدرس أمجد خرجني من جيب القميص ..و كتب عليا " بحبك يا ياسمين  " و عطاني لياسمين عند بتاع عصير القصب و هم الأتنين في أسعد حالة ممكن يعيشها إنسان .
بعد ما وصلت ياسمين البيت لقت أبوها البشمهندس منير و أمها و أخواتها إسلام و هبة على السفرة .. سلمت عليهم و كانت هتدخل أوضتها . لكن أبوها نده لها وقال تعالي يا بنتي كلي معانا أنا مش بعرف طعم الأكل غير لو كلكم حواليا .
قعدت على السفرة و كانت كل شوية تلمس جيبها اللي أنا موجود فيه و كأنها بتطمن أني موجود أو جايز كانت خايفه إن حد يشوفني معاها .
أم ياسمين وهي بتحط اللحمة في طبق أبو ياسمين سألته و هي مبتسمه.. مالك شكلك تعبان .. قالها والله تعبت من الجري ورا الشغل و المناهده مع الناس .. ردت : طيب متحاول ترجع شغلك تاني . قالها مستحيل أنا عمري مدخلت قرش حرام على ولادي و لا عمري مديت أيدي و أخدت فلوس من مقاول .. أنا مليش مكان وسط الناس هناك ..أدعيلي أنتي بس .
أبو ياسمين : مالك يا ياسمين سرحانة و مش بتاكلي ليه ؟
ياسمين : لا أبدا يا بابا بس عندي أمتحان و خايفه شوية .
أبو ياسمين : لأ شدي حيلك بقا علشان تفرحيني بيكي زي كل سنة يا حبيبتي .
ياسمين وهي بتبعد عنيها عن عنين أبوها : حاضر يا بابا .
وأنتهى بيا اليوم ده في العلبة القطيفه اللي ياسمين مخبياها فوق دولابها و اللي فيها هدايا صغيرة و كروت فيها كلام حب من أمجد و ورق ورد بلدي مجفف ..
 أنا حاسس دلوقتي أن قيمتي اعلا بكتير من مجرد جنيه فكة .. فعلا القيمة الحقيقية للأشياء مش بتتحسب بقيمتها المادية لكن بتتحسب بدرجة أحتياج الناس ليها أو معناها عندهم .
تمت
 بقلمي شخابيط

ملحوظة : القصة دي لها نسخة تانية بأحداث و شخصيات مختلفة موجوده في مدونة هجايص للكاتب المتميز أستاذ شريف

وده لينك المدونة
هجايص

الخميس، 9 يناير، 2014

الرأي و الرأي الآخر



إختلاف وجهات النظر لا يُفسد للود قضية
الحقيقة أن الإختلاف هو سنة من سنن الحياة
ومن لا يؤمن بذلك فإنما هو مخطئ بلا أدنى شك

منذ فترة ليست بقليلة و أنا أقرأ للكاتب الراحل فتحي غانم
حتى أصبحت من عشاقه .. و عملت على تجميع كل ما استطعت
الوصول إليه مما نُشر له من أعمال

و أعترف أن أكثر رواية له استمتعت بها على الإطلاق هي رواية
( الجبل ) ..( نشرت عام 1959 وكانت أول رواياته ).
و أدّعي بذلك أن من لم يقرأها إنما فاته الكثير
أود الحديث هنا عن مضمونها لسبب سوف يتجلّى في سطوري القادمة
لقد كانت الرواية مأخوذة عن قصة واقعية تتحدث عن أهل
الجبل في أحد مدن الصعيد ( القرنة ) والذين كانوا يعيشون حياة
بدائية جدا طالبين رزقهم من التنقيب عن الآثار و من ثَم بيعها
للسُياح بأسعار زهيدة .
ويعطينا الكاتب فكرة عن بدائيتهم لدرجة أنهم كانوا
يتغوطون في مجموعات بالعراء .

استهوى المكان بطبيعته الجغرافية و المناخية المهندس المعماري
حسن فتحي رحمه الله
والذي لُقب ب ( شيخ المعماريين ) و ( معماري الفقراء )
حيث قام بتصميم و بناء قرية سكنية كاملة تحت سفح
الجبل ليعيش فيها أهل الجبل حياة متحضرة .
وهذا الكلام مكتوب و موثق في كتابه ( عمارة الفقراء )بالتفصيل .
ما أود الإشارة له هنا هو ما يدعى ( اختلاف وجهات النظر ) ففي رواية
الجبل تبنى الكاتب فتحي غانم وجهة نظر أهل الجبل حين رفضوا
النزول للعيش في القرية الجديدة رفضا شرسا موجها رسالة للقارئ
مفادها أن المشروع كان بهدف خدمة مصالح شخصية لبعض المسئولين
ومن الطريف أن أحد أسباب رفضهم للقرية الجديدة هو أن المنازل قد تم تسقيفها بالقباب و التي كانت تذكرهم بشكل القبور.

بالعودة إلى كتاب (عمارة الفقراء) فسنعرف كم كان يدرس
المعماري حسن فتحي طبيعة القرية المناخية و الجيولوجية حتى
توصل في النهاية لبناء المنازل بأقل الأسعار و أنسب الأشكال
المعمارية لتحقيق مناخا معتدلاً داخل الحيزات ( التسقيف بالقباب )
ولكن رفض أهل الجبل للقرية الجديدة أدى إلى

 فشل المشروع

ومن يقرأ الكتابين سوف يكتشف فعلا كم كان لاختلاف في
وجهات النظر دوراً في ذلك

شخابيط

السبت، 28 ديسمبر، 2013

ها قد وجدت ضالتي



رحلة بحث دامت عمرا
ثلاثون عاما ابحث عنك
أفتش عنك بين وجوه البشر
رحلة بحث تلاعبت بي فيها الأقدار
سخرت مني و ضحكت
حتى سمعت ضحكاتها المتعالية
رحلة أنفقت فيها عمري
حتى يئست
حتى ظننت أن قلبي قد تجمد مثل أوصالي
و تعبت من رحلتي فسقطت
هاجمتني أحلامي و رغباتي.... بكيت
ارتعشت
ثم غفوت

و لكن ياللعجب حين أفقت
حين فتحت عيناي فوجدتك راقدا بجواري
نعم ... لقد وجدت ضالة السنين
و شعرت أخيرا أن عمري لم يضع هباء
رفعت بصري
فإذا بصحراء الأمس و برودة الليل
أصبحت جنة غناء
حواءك أنا فيها و أنت أدم بكل بهاء
نظرت إليك
فعرفت كم كانت قسوة الحرمان

لمست يديك
فعرفت الفرق
بين معطف في الشتاء و بين التدثر بالعراء
وحين نظرت في عيناي
أدركت بأني كنت امرأة بلا وطن
و أنك وطني بلا حدود و لا أعداء
ضممتني لصدرك

ضمدت جروحي
فعرفت كيف يكون الأمان
قبلتني فارتويت
عطرك أشعل حواسي
جسدك أطاح بكل ألامي و أيامي الحزينة

وددت لو أضيع بين ثناياك
لو أني أغرق في عيناك

أهديك عمري يا حبيبي
فأفعل به ما تشاء
اصنع منه طوق ورد
أو قارورة عطر
أو تدثر به في برد الشتاء

أهديك حياتي
فحياة بدأت من عينيك
لن يتملكها سواك

***


بقلمي : شخابيط



الإسكتش المرفق بقلمي الرصاص

الخميس، 19 ديسمبر، 2013

أرض الواقع


رغم كل المحاولات اليائسة ... في النهاية يفرض الواقع نفسه

هل جربت العقاقير المنومة ؟ .... التدخين بشراهة ؟
اللجوء إلى هوايتك المفضلة أو لأحلام اليقظة ؟ ..الخروج مع
أصدقائك و الثرثرة عن
سعادتك الزائفة ؟

كل ذلك لن يفيد في الهروب منه إلا لبضع ساعات على الأكثر
ثم تأتي لحظة اليقظة من جديد
فتجد نفسك محاصرا به ..
تجده ملفوفا حولك بإحكام ..
مبتسما بسخريته المعهودة بعد زوال المسكنات
معلقا فوق صدره يافطة مكتوب عليها

أهلا بك في أرض الواقع .. فضلا هدئ السرعة ...أمامك منحنى خطر



شخابيط

الثلاثاء، 17 ديسمبر، 2013

الضفة المقابلة



" انه عشب الضفة المقابلة الذي سيبدو دائما وأبدا أكثر اخضراراً طالما لم تطأه قدماك "
قرأت هذه الجملة برواية ( الفيل الأزرق ) للكاتب أحمد مراد ... الحقيقة إنها استوقفتني كثيرا وقرأتها مرات عديدة حتى حفظتها عن ظهر قلب .

لماذا نضيّع أغلب سنين عمرنا نعاني الأمرّين ..
الأول نادمين على ما فاتنا و الثاني متطلعين لما هو ليس بين
أيدينا و الذي قد لا يكون مستقبلا ؟؟
لو أننا فقط نقنع بما أعطانا الله ونثق في أنه
الخير كل الخير من عنده
لكنا أسعد المخلوقات على وجه الأرض .

" وعسى أن تحبوا شيئا و هو شرٌ لكم " صدق الله العظيم
كم من شخص حَزِن على ميعاد فاته و صب اللعنات
على أشياء قدرية حدثت وقد كفاه الله بها شر حادث أليم ؟!
كم من أحباءٍ افترقوا و حزنوا لذلك حزنا شديدا ولكن بعد
حينٍ اكتشفوا كم كانت الأقدار كريمة بسخاء
حين قدّرت هذا الفراق ؟!
وكم من شخص أصَر على تحدي القدر وتَشبّثَ بما يراه
خيراً وندم بعدها متسائلا " أين كان عقلي ؟ " .
إنها فقط نعمة الإيمان التي تنقصنا

ليس بالضرورة أن تأتي السيارة الفارهة
بالخير لو امتلكناها
كما أنه ليس بالضرورة أن تكون الحبيبة أو الحبيب هو
حسنة الدنيا التي نرجوها لنحيا بسلام
وقد لا تكون المرأة الأكثر جمالا أو الرجل الأكثر
ثراءً خير مما أعطانا الله
فالرضا نعمة .. و الطمع نقمة .. و الندم الغير
مُجدي على ما فات إنما هو مَعول هدمٍ لا نُصيب
به إلا أنفسنا .

فلنجعل الندم على الماضي دافعا للتغيير في طريقة تقييمنا
لما بين أيدينا .. ولا يكن مدعاةً للإستسلام و الخضوع
لفكرة الفشل و غيرها من الأفكار السلبية .

سيظل العشب على الضفة المقابلة أكثر
إخضراراً مالم ننظر تحت أقدامنا ونبدأ البناء
شاكرين الله على ما وهبنا و ما كفانا برحمته .

إمضاء : شخابيط

الجمعة، 13 ديسمبر، 2013

لم تكتمل ...



بدأت في رسم هذه اللّوحة منذ أكثر من عام ..
اذكر كم كنت أحبها حين كنت أعمل عليها .. حتى أنني
في بعض المواضع استغنيت عن الفرشاة و استخدمت أناملي العارية في
إظهار تفاصيل كثيرة بها فباتت مغطاة ببصماتي .
كل ما أنجزته بلوحتي كان الخلفية فقط وكانت عبارة عن
بحيرة و جبل ثلجي يعكسان ضوء القمر والذي كان
محاطاً بسحاب كثيف لم يستطع قمع ضوئه
حتى هذه الخلفية لم تكتمل بعد
كما أنني كنت أنوي أن أضع تفاصيل قريبة باللوحة
تتمثل في أشجار و صخور ويظهر ذلك واضحا
في البطانة السوداء أسفل اللوحة كما كنت أنوي رسم ذئب
يقف شامخا في تلك الليلة المقمرة رغما عن السحاب
لكني – ولسبب ما .. أحاول جاهده نسيانه – لم أكمل اللوحة
بل توقفت فجأة عن الرسم مثلما توقفت عن الإبتسام وقتها
حتى أنني تخلصت من ألواني الزيتية كلها و فرشاواتي
كما أنني انتويت أن أتخلص من اللوحة لكنها
أبت أن تترك المكان وتركته أنا لفترة ..
عدت بعد ذلك لأجدها تستقبلني وقد دَبّت فيها الروح
علقتها على آخر جدار بالمنزل ولكنها لا تلبث أن تتحين
فرصة مروري من أمام ذلك الجدار لكي تنظر
لي في سخرية و تحدٍ وتروي لي ما لا أحب أن أتذكره
كلما أقترب منها أسمعها تقول لي .. لن تستطيعين ... لن
تكمليني .. لن تعودي للفرشاة مرة أخرى .
فأحني رأسي و أسد أذناي و أبتعد عنها
بالأمس قررت أخيرا أن أقبل التحدي
ذهبت إلى المكتبة و سألت عن ما ينقصني من ألوان زيتية و فراشىّ
كي أكمل العمل .. لكني وبعد أن أمسكت الأشياء في يدي
وهممت بدفع النقود .. تذكرت اللوحة ونظرتها
الماكرة و شعرت بضعفي أمامها
تذكرت أنها معلقة هناك في انتظاري لتُجَسد أمامي في كل ضربة فرشاة بها كم كنت حمقاء .. وكم قد تبدو
لنا الدنيا مبتسمة فنرمي بأنفسنا في
أحضانها ولا نعلم أنها تطعننا في ظهورنا
تذكرت كل ذلك فتركت الألوان و هربت من المكتبة و أنا
أشعر أن البائع قد كشف أمري ..
عدت للبيت فسمعت صوتها تناديني من جديد .. وقفت أمام الجدار
أتأملها و أتحسسها كمن يقرأ بطريقة برايل عن أحداث مضت
ولا يستطيع قراءتها غيري
كانت هذه المرة تبتسم في خُيلاءِ و زهوِ من مر
تواً من تحت قوس النصر .

والآن ما زالت اللوحة معلقة هناك وما زلت لا أقوى على
العودة للفرشاة .. وهاهي تخرج لتظهر
هنا غير مكتملة
رغماً عنيّ

شخابيط

اللوحة المرفقة آخر مارسمت بالفرشاة والألوان الزيتية

السبت، 7 ديسمبر، 2013

جَناحان




رأت ظلاً أسوداً على الأرض تحت قدميها
رفعت عينيها للسماء فإذا به يحلق فوق رأسها

رمقها بنظَرِه الثاقـب .. وبحرفية صائد محترف هبط بسرعة خاطفة حتى أحكم قبضته حولها
من فرط دهشتها توقفت عن التنفس لثوان .. و أيقنت أنها هالكة لا محالة
لكن الغراب لم يلتهمها بل طار بها بعيدا

بحثت قبيلة عقلة الإصبع عنها في كل مكان دون جدوى
فنسوا أمرها

بعد أن عبر الطائر الكبير الجناحين بها البحر وصولا لجزيرة صخرية
ألقاها في عشه
ظنت أنه ربما يرميها لصغاره لتقتات عليها
لكن العش فارغ ليس به صغار
طار بعيدا و تركها وحيده فقررت الهروب
نظرت من حافة العش فوجدت نفسها فوق منحدر صخري يستحيل الهروب منه
عاد الغراب قبل مغيب الشمس ..
تكورت على نفسها في أحد الزوايا خوفا منه
فإذا به يلقي لها حفنة من القش لتنام عليها

عندما أدركها البرد في المساء
وجدت نفسها ملتحفة بأحد جناحيه وهي نائمة .
في الصباح استيقظت على صوت رفرفة أجنحته قريبة من العش
فعادت و تكورت على نفسها و هي ترمقه بنظرات التوسل و الخوف .
ألقى لها حبة عنب ووقف يحرس العش
التهمت طعامها و بدا لها أنه لن يأكلها اليوم

بعد عدة أيام كانت تنتظره عند حافة العش عندما يذهب و يعود لها بأطايب الطعام
بدأت تفتقده عندما يغيب..وتأنس بوجوده وهو حاضر.
ولكن فكرة الهروب لم تفارقها .

في أحد الأيام تعلقت في ريش ظهره ففهم أنها تريد الخروج معه
طار بها وهي متشبثة به منتظرة لحظة هبوطه على الأرض كي تهرب
ولكنه لم يمس الأرض حتى أعادها
كررت المحاولة عدة مرات حتى أنها أيقنت أنه لن يدعها تَقْرُب الأرض

بمرور الوقت بدأت تشتاق لرحلاتها فوق ظهره و بدأت تستمتع بالمناظر الخلابة التي تمر بسرعة من تحتها و هي تحلق في السماء

ذات صباح كعادتها قفزت فوق ظهره لتطير معه

بعد أن طار بها طويلا هبط على حافة نهر ليشرب
دق قلبها بعنف و شعرت أنها قد وجدت فرصتها التي ترجوها
نزلت من على ظهره ببطء وهمت أن تبتعد جريا وهو لا ينظر إليها
بعد خطوتين أدارت رأسها لتنظر إليه نظرة أخيره

رأت ريشه الأسود اللامع تحت أشعة الشمس يخطف الأبصار
وقطرات الماء المتطايرة حوله وقد عكست ألوان قوس قزح في مشهد جميل
شعرت للحظة بأنه أجمل مخلوق رأته عيناها

عادت ووقفت بجانبه ترتشف من الماء مثله وتغسل وجهها
ثم ألقت ببعض الماء في عينيه وهي تلهو بطفولة
أصدر صوتا أضحكها .. ولما شعر بسعادتها كرر الصوت مرة أخرى
ثم رفرف بجناحيه دافعا الماء في اتجاهها بدوره

بعد أن فرغا من اللهو و الشرب والإغتسال
قفزت فوق ظهره
وعانقت رقبته بقوة وهي مبتسمة
ثم طار بها عائدا للعش
وهي تشعر أن لقلبها جناحان

تمت
بقلمي : شخابيط

الصورة المرفقة من شخابيطي

الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

دعوة للتقييم




البوست ده بقالي فترة بفكر فيه لكن مكنتش عارفه أصيغه في هيئة كلام مرتب
فقررت إنهارده انه يتكتب زي ماهو وخلاص

هو الواحد لو جرب انه يتجرد من لقب عيلته و لقب مهنته و من ولاده و من فلوسه ومن هدومة السي نيـيـه وساعته اللي بألافات.. يعني كل حاجة مكتسبة ..و يقف كده قدام المرايا من غير ولا حاجة و يبص لنفسه شويه

ياترى هيشوف ايه ؟؟
ياترى قيمته هتكون في إيه و مستمتده من ايه ؟
للأسف في ناس لو أتجردت من كل ده وجت تبص في المرايا هتلاقي نفسها أختفت .

وفي ناس تانية مش هيفرق معاها كل ده لأنها مش بتستمد قوتها من لقب يتقال قبل اسمها ولا من موظفين تحت ايدها بيهللوا و لا من عيلة لها اسم .. لأ .. الناس دي بتستمد قوتها من الحب و العطاء و القيم و المبادئ و الحاجات دي اللي مبقتش تأكل عيش في الزمن ده .

ياريت كلنا نقيّم نفسنا و نشوف يا ترى لو بقينا من غير كل الحاجات المكتسبة دي .. نستاهل أصلا إن حد يعرفنا أو يحبنا ؟

شخابيط
الصورة المرفقة من شخابيطي

الأحد، 1 ديسمبر، 2013

آلة الزمن


مقدمة

العديد من القصص والروايات تحدثت عن آلة الزمن حتى أصبح البعض
مهتما بها إلى حد الهوس .. كانت تلك القصص تأخذنا بعيدا في الماضي السحيق أو المستقبل البعيد حتى أن بعض الكتاب قد سرح
بخياله ليتصور المستقبل وقد
انقسم فيه البشر لنصفين يأكل أحدهما الآخر .. لذلك عزيزي القارئ أرجو ألا يصيبك الإحباط عندما تقرأ هذه القصة لأنها ليست نسخة مكررة
مما سبقها باسم آلة الزمن
فلنقل إذا أنها ليست رحلة عبر الزمن بقدر ماهي رحلة داخل
نفس بشرية قد خرجت من مخيلتي .
كنت قد نويت أن أكتب قصتها على هيئة أقصوصة لا تتعدى بضع سطور
ولكن لا أعرف كيف انسابت الكلمات من بين أناملي حتى وصلت
لعدد لا بأس به من الصفحات .. لربما أردت أن أفرغ ما في جعبتي
فيما يخص تلك الشخصية التي أبت أن تترك تفكيري حرا
إلا بعد أن أخبر العالم بقصتها
تلك المرأة التي سأروي قصتها ولم أجد لها أسما حتى الآن




البداية

عندما رأت المنزل أول مرة صممت أن تمتلكه
المكان حوله هادئ .. حيث يقع في ضاحية قريبة من المدينة
ولكن ليس فيها صخب ولا زحام

كان المنزل عبارة عن طابقين .. مبنيا على مساحة صغيرة . واجهته كلاسيكية على الطراز الروماني تحيطه حديقة ذات أشجار عالية. وهذا ما
كانت تريده تماما

قال لها الوسيط و هي تشتري المنزل : " والله يا ست هانم
البيت لسه طالع من عَمرَة ومش هتحتاجي تدقي فيه مسمار . حتى شوفي
حضرتك الحيطان لسه مبيضنها الجماعة اللي كانوا قبلك . ميغوركيش يعني إن البيت قديم ..ده مبني أيام الخير و الطوبة فيه بميت عامود مسلح من بتوع اليومين دول . والله الراجل بيقوللي لولا الهجرة اللي جاتله ما كان فرط فيه أبدا أصله بيت أثري ..آه والله .. ده أبوه الله يرحمه رفع قضية على الآثار عشان كانوا عايزين ياخدوه منه و كسبها الحمد لله يعني اطمني الورق سليم وزي الفل.. و أهو كله خير علشان نتعرف بحضرتك . والله منورانا يا ست هانم " .
أبتسمت له منهيةً ثرثرته و طلبت تحرير عقد البيع في أسرع وقت ممكن.
وبعد يومين كان المنزل ملكا لها بكل ما يحويه من أثاث و تحف
وكتب و ما إلى ذلك ...
دخلت البيت بعد إنصراف المالك القديم و الوسيط و المحامي و أحكمت
إغلاقه من الداخل و أسندت ظهرها إلى الباب
ثم نزلت جلوسا أمام الباب و تنفست الصعداء
" أخيرا أصبح لي بيت بعد سنين الغربة الطويلة "
قالتها و هي تتحسس الأرض بيدها

في اليوم التالي كانت السيارة النصف نقل أمام المنزل
والعمال يرفعون متعلقاتها و حقائبها للدور العلوي
أغلقت الباب مرة أخرى بإحكام و قالت "سوف أنظف كل ركن
من بيتي بيدي حتى لو أستغرقني شهرا كاملا "
بدأت فعلا عملية التنظيف بعد أن أغلقت هاتفها المحمول
و أنعزلت تماما عن العالم الذي طالما أرادت الإنعزال عنه .

بعد ثلاثة أيام جاء دور غرفة الجلوس في التنظيف
رفعت السجاجيد من على الأرض و نظفت الأتربة من على
المدفأة و المقاعد و بدأت في رفع الكتب من على أرفف
المكتبة حتى تمسح التراب من عليها و تضع بينها
كتبها التي أحضرتها معها .

أنزلقت قدمها من فوق السلم الخشبي و كادت تسقط
تألمت جدا و نزلت فرأت جرحا صغيرا ينزف بساقها
نزلت من على السلم وأحضرت قطنا و مطهر ثم جلست
وأخذت تطهر جرحها ..و لكنها تذكرت شيئا
لقد شعرت بأن المكتبة أصدرت صوتا أجوف
عندما اتكأت عليها و هي تقع من فوق السلم
ما يعني أن خلفها فراغ
تركت جرحها عارٍ و جريت نحو المكتبة تتفحصها
فوجدتها ثابتة و دهان الجدران حولها طبيعي جدا و متصل
فتجاهلت الفكرة برمتها و عادت تكمل تنظيف الجرح ثم قررت
أن تستريح و تكمل العمل غدا .

في صباح اليوم التالي استيقظت نشيطة بعد أن لامس وجهها شعاع
الشمس الأول حيث كانت قد أزالت الستائر و أرسلتها للمغسلة .
تناولت فطورا دسما بشهية لم تعهدها من فترة طويلة ..ثم هبطت
الدرج و نجحت في تشغيل الجراموفون القديم ثم
توجهت إلى غرفة الجلوس لتكمل عملها و هي تسمع موسيقى
بيتهوفن التي تعشقها ..
نظرت إلى السلم الخشبي و تذكرت جرحها فآلمها و لكنها تناولت
قطعة القماش و صعدت السلم كي تكمل تنظيف الأرفف و رفع الكتب
ثم خطر ببالها أن تطرق على ظهر المكتبة عندما تذكرت ما حدث
بالأمس .. فعلا المكتبة تصدر صوتا أجوف عالى جدا
ظلت تنظر للخشب الأبانوس المطعم والذي صنعت منه المكتبة
لفت انتباهها أنه يوجد تمثال برونزي صغير بحجم الأصبع لمحارب
من العصور الوسطى في
الجهة اليمنى و ليس له مثيل في الجهة اليسرى
بل يوجد مكانه فراغ بحجم التمثال
أول ما خطر في بالها أنه قد فُقد بسبب قدم المكتبة
و أكملت التنظيف حتى وصلت للتمثال الصغير و بدأت تمسحه
فإذا به يتحرك في يديها و بدا أنه ليس ثابتا
بدون تفكير و بطريقة عفوية أخرجته من مكانه و أخذت تتأمله
فقد كان رائع التصميم و دقيق التفاصيل .
همت أن تعيده و لكن خطرت لها فكرة أن تجرب وضعه في المكان المقابل بالجهة اليسرى والذي يناسبه تماما
ما إن وضعت التمثال في التجويف حتى سمعت أزيزا و طرقعة
خلف المكتبة ... ارتعبت و كادت تسقط مرة أخرى
ولكنها و بسرعة خاطفة أخرجت التمثال فسكت الصوت

نزلت من على السلم و هي تتنفس بصعوبة
ارتعدت كل أجزاءها حتى أنها تجمدت في مكانها حوالي
ربع ساعة لا تتحرك و لا تقوى على رفع عينيها من على المكتبة
بعد مرور الربع ساعة أشعلت سيجارة
و بدأ عقلها يعمل مرة أخرى بالتدريج وببطء
قررت أن تعيد المحاولة .. وبالفعل كررتها و سمعت نفس الصوت
ومع الطرقعة بدأت المكتبة تهتز حتى سقط من عليها بضع كتب

أخرجت التمثال الصغير ووضعته في جيبها ثم
ذهبت مسرعة للمطبخ و عادت و معها سكين كبيرة
وأخذت تحرر خشب المكتبة من الدهان المحيط به وكان
ذلك في منتهى الصعوبة حيث كانت طبقات دهان متراكمة من سنين طويلة فوق بعضها
ولكنها نجحت أخيرا في تحرير جزء منها لأن خشب المكتبة كان قديما و شجعها ذلك إلى أن أكملت فصل المكتبة الخشبية عن الجدار بعد عدة ساعات
كانت تلهث .. آلمتها يدياها .. تطايرت خصلات شعرها و بدأت قطرات العرق تنزلق فوق جبينها... لكن ذلك لم يثنيها عن
الصعود فوق السلم الخشبي مرة أخرى
ولكن هذه المرة وضعته جانبا حتى لا يعيق تحرك المكتبة كما توقعت
ما إن وضعت التمثال حتى بدأت المكتبة القديمة في الدوران ببطء

حتى ظهر خلفها مدخل صغير يؤدي
إلى مكان مظلم
نزلت من على السلم و أقتربت قليلا فاختنق صدرها وأخذت
تسعل بقوة فقد خرجت رائحة الغبار و الأتربة بقوة من الداخل
قررت ترك المدخل مفتوح حتى يتجدد الهواء ومرت الساعات
بطيئة جدا حتى بدأت الشمس في الغروب
حملت مصباحا يعمل بالبطاريات في يدها و اقتربت
من المدخل و الذي اكتشفت أنه يؤدي إلى دَرَج
هبطت الدَرَج بحرص و عناية و هي بالكاد تلتقط أنفاسِها
هناك الكثير من خيوط العنكبوت و التي كانت تلامس وجهها
فتخيفها و تجعلها تنتفض وتشهق في كل مرة .
عندما توسطت المكان اكتشفت أنه معمل قديم أو مكان للأبحاث
العديد من القوارير الفارغة فوق منضدة خشبية جانبية
و منضدة أخرى عليها مخطوطات أصفرت بفعل الزمن
وبضع لوحات موضوعة جانبا على الأرض . و أخرى معلقة على الجدران ومغطاة بالأتربة و بيوت العنكبوت.
وهي تدير مصباحها في الأركان تسمرت فجأة
في مكانها وكادت عيناها تخرج
من مقلتيهما من فرط الرعب
حينما رأت لأول وهلة شيئا بحجم سيارة صغيرة و قد
كان مغطى بغطاء قماشي تعلوه كمية كبيرة من الأتربة
وألقى مصباحها ظله على الجدار فبدا كظل وحش كبير ..وكان
ذلك من فرط الإرهاق الذهني الذي كانت تعانيه في تلك اللحظة
تحققت منه فوجدته ظل الجسم المغطى و أنه لا يتحرك بل أن ضوء
المصباح بيدها كان يرتعش من شدة خوفها فظنت أن الوحش يتنفس
اقتربت قليلا منه و لمسته من فوق الغطاء
فشعرت أنه ربما يكون تمثالا أو ما شابه
ربطت وشاحها على فمها و أنفها حتى لا يؤذيها التراب ثم باشرت
برفع الغطاء من فوق الجسم الغريب ..قائلة لنفسها
" ما هذا ؟.. تبدو كماكينة قديمة مصنوعة من النحاس و الحديد "
تحسست المعدن و التروس الكبيرة و لم تفهم شيئا .
جذبت المقبض الصغير فإذا بالآلة تنفتح على ما يشبه كابينة
القيادة و التي يوجد بها لوحة مقسمة أربع أقسام عليها رقم 1810
وذراع يشبه عصا السيارة يتحرك في الاتجاهين الأمامي و الخلفي
وكرسي مغطى بجلد البقر مازال محتفظا بحالته جيدة .
عادت تتفقد الطاولة فوجدت فوقها مجلدات قديمة وبعض المخططات
القديمة مكتوبة يدويا
بحروف إنجليزية و بها بعض الرموز اللاتينية
حملتها جميعا و صعدت الدرج و هي يكاد يغشى عليها .

نظفت المجلدات على عجل من الأتربة بقطعة قماش وشعرت بالتعب الشديد والإرهاق
فآثرت أن تأخد حماما ساخنا و كوبا من الشاي قبل البدء
في حل لغزها الذي أكتشفته ..
كانت تشعر أنها تحلم و لم يكن عقلها قادرا على أستيعاب ما رأته
وتساءلت في نفسها
لماذا لم يكتشف ملاك المنزل من قبلها ما اكتشفته هي ؟
جلست على الأريكة وقد استعادت نشاطها و بدأت في قراءة و ترجمة
كل كلمة قرأتها بعناية شديدة
كان أول ما قرأته مخطط ملفوف مكتوب فيه مايلي بالأنجليزية بخط اليد
" لقد هاجمني المرض و أشعر بضعف شديد .. لا توجد أي عشبة
قادرة على شفائي .. أشعر أنهم قد كشفوا أمري ..ليتني توصلت لتركيب ذلك السائل اللعين .. سأذهبت حيث لا يجدونني ..
أو ليدفن سري هنا إلى الأبد "
قرأَتها أكثر من مرة حتى غلبها النعاس على الأريكة من فرط الإرهاق

استيقظت بعد ساعتين وهي تشهق وتنتفض كأنها
سقطت في بئر عميق فجأة

نظرت للمخطوطة بين يديها و تذكرت كل ما حدث
في اليوم المنصرم وكأنها تدخل في ممر طويل
وتمشي فيه بسرعة جدا .. ثم ابتسمت
فحياتها الهادئة كانت تحتاج فعلا لخوض مثل
هذه المغامرة حيث شعرت بأن لها سرٌ صغير تخفيه
عن العالم بأثره .. هي التي طالما أرادت
الهروب من ارض الواقع

عاودت البحث في المخططات وهي ترشف من فنجان القهوة
اختارت المخطط ذو الغلاف الأخضر فهو سميك و يبدو
أنه سيكون مفيدا في حل جزء كبير من اللغز
وجدت فيه مخططات بعضها أولي و بعضها مكتمل
لكثير من الآلات البسيطة و معها شرح
مفصل لطريقة عمل كل منها
وبدأت مع القراءة و الترجمة تفهم كل ما هو مكتوب بسرعة أكبر
ومما كان لا شك فيه أن صاحب المجلد هو نفسه
صاحب الرسالة الملفوفة التي قرأتها .. لأنه مكتوب بنفس الخط
ولكنها رغم وصولها لنصف المجلد لم تفهم بعد
سر الرسالة ولم تجد بعد رسومات ولا أي ذكر يخص
الآلة التي بالقبو .
لكنها قرأت عن تجارب تتحدث عن
سائل يتم خلطه ببعض المكونات الأخرى فيكون الناتج ذهبا
ويبدو أن صاحب الخط كاد أن ينجح في صنع الذهب

عندما أشرقت الشمس وقفت عند النافذة تتأمل الحديقة
وتتسائل .. تُرى أي أسرار شاهدتها و أخفتها تلك
الأشجار العجوزة و في تلك اللحظة تذكرت والديها
الذين لا يعلمون عنها شيئا منذ قرابة الأسبوع
حيث آثرت ألا تخبر أحدا بعنوان مسكنها الجديد ثم أنها
لم تفتح هاتفها الجوال طيلة هذه المدة.
" مسكينة يا أمي منذ نعومة أظافري و قد أرهقتك بخيبة أملي "
قالتها و هي تبحث عن الهاتف وتفتحه
تقبلت عتاب و لهفة والديها بهدوء ووعدت بزيارتهما قريبا
ومر اليوم بين تعليق الستائر و تكملة ترتيب البيت

وفي مساء ذلك اليوم أخذت تبحث على الإنترنت
علها تجد شيئا يفيدها و لكن لم تجد لهذا العالم أي أثر

غير أنها وجدت بين أوراقه بعض التفاصيل القليلة
مكتوبة في هيئة رسائل و مذكرات
تصف حالته النفسية الصعبة و كيف أنه هاجر إلى مصر
هروبا من حاكم طاغية أراد حبسه و تسخير
اختراعاته و علمه لنفسه فقط
وخوفه من أن يحبسه الحاكم ثم يقتله بعد
أن يصل لكيفية صنع الذهب

ثم انها قرأت أيضا عن موت زوجته الحبيبة
بمرض السل حيث كان يفتقدها و يتحدث إليها في مذكراته

" زوجتي الغالية .. كم أحتاجك الآن .. أشعر بالوحدة و الخوف
.. لا أجد رفيقا ولا عونا بعدما تركتيني .. "

عادت للمجلدات و لكنها هذه المرة كانت تبحث فقط عن
الآلة المجهولة بعينها
وفعلا وجدت ما يتحدث عنها في مجلد بنيّ اللون
وكالعادة مكتوب و مرسوم كاملا بخط اليد
وكان ملفوفا بشريط و مربوط بعناية
شعرت بضربات قلبها تتسارع لا تدري من فرط
سعادتها لأنها أوشكت على حل اللغز أم من شدة خوفها .

حيث كان العنوان بالداخل مفاجأة لم تتوقعها

آلة الزمن
ظلت تنظر للكلمة وهي مشدوهة و توالت على رأسها
العديد من الأفكار منها أن كل ما يحدث ما هو
إلا مُزحة من شخص ثقيل الظل
ولكنها أكملت القراءة و الدراسة على أي حال
وكانت تعود للقبو متفحصة الآلة العجيبة كلما قرأت أكثر
وبتطبيق القراءة على الواقع فهمت كيفية عملها
فقد كانت الفكرة هي تحويل أي جسم
إلى جزيئات صغيرة و سفرها بسرعات خيالية أسرع من الضوء
حتى تخرج عن النطاق الزمني المعروف
وقد تعرض المشروع للفشل عدة مرات إلى أن وصل العالِم
أخيرا للطريقة الصحيحة
حيث كتب على أحد الهوامش
" أخيرا اكتملت آلة الزمن و بمقدوري الهروب الآن "
ثم في صفحة أخرى ...
" لقد جربت الكحول .. يبدو أنه سريع التطاير .. لابد من
وجود سائل آخر يشتعل بطريقة مناسبة "
ثم وجدت بعدها العديد من المعادلات الكيميائية باللغة اللاتينية و التي
لم تكتمل و كانت تلك هي نهاية المجلد
ظلت تفكر في الأمر... " لقد فشل إذا .. و لهذا لم يسافر و لم
تكتمل آلته .. ترى ما هذا السائل الذي كان ينقصه ؟ .. وما الذي
حدث له أو أصابه بعد ذلك ليقرر أن يُدفن سره هنا للأبد ؟"

تركت الأمر برمته و عادت للقبو تتفحص اللوحات القديمة
والأدوات وغيرها و بدأت تنسى أمر
آلة الزمن كليةً
إلا أنها في أحد الليالي وبعد أن خلدت إلى النوم تذكرت
ما قاله عن سائل يشتعل بطريقة مناسبة
فقالت في نفسها لماذا لا يكون البنزين ؟
ثم انتفضت من سريرها وبحثت عن كتاب
كانت قد أقتنته و كان يتحدث عن الإختراعات البشرية
و تواريخ إكتشافها ... ثم قرأت فيه
" البنزين تم إكتشافه عام 1825 في صورة أولية
بواسطة العالم مايكل فاراداي "
قالت لنفسها ... " حسنا لم يكن قد أُكتشف البنزين في 1810 وهو
التاريخ المكتوب على لوحة آلة الزمن وفي المجلد البني "
فلنجرب البنزين اذاً
ثم تعجبت من نفسها وتسائلت... أتريد حقا أن تجرب تلك الآلة ؟
ثم قالت بصوت مرتفع " ولم لا ؟ .. "
نزلت فورا إلى صندوق سيارتها حيث تحتفظ
دائما بكمية إضافية من البنزين للطوارئ
وياله من طارئ
ثم أخذت مصابيحها التي تعمل بالبطارية والمجلد البني اللون
ونزلت القبو
بعد أن تفحصت الآلة جيدا و المجلد تبين لها أنه
يوجد مكان يتم تعبأته بالسائل القابل
للإشتعال ثم ضغطه بواسطة مكبس وعند تشغيل الآلة
يحترق السائل مولدا طاقة أولية وبمساعدة العديد من التروس
تضاعف الطاقة و تتكون صاعقة كهربية
مسلطة على لوح مكون من عدة معادن
معقدة التركيب فتنتج طاقة هائلة تحيط بآلة الزمن
تدفعها للحركة بسرعة لا تتحملها فيزيائية الأرض
فيخرج كل ذلك عن النطاق الزمني و المكاني و تتحول الآلة
وما بداخلها إلى جزيئات شبه ضوئية و كلما
زادت مدة وقوة الصاعقة كلما ابتعدت الآلة أكثر رجوعا
أو تقدما في الزمن

فورا و بدون تفكير ملأت المكان المخصص للسائل بالبنزين
وجلست داخل الآلة ثم ضبطت المؤشر
لتعود بها الآلة مدة عام واحد
فلم يكن هناك شهور أو أيام ...
أغمضت عينيها وهي تجذب العصا وبدأت الآلة في
الإهتزاز ثم فقدت الوعي
عندما استيقظت كان جسدها خدرا و أخذت
بضع دقائق حتى تذكرت مرة أخرى ما هي فيه
المكان حولها تحول إلى ظلام دامس
أخرجت مصباح البطارية من جيبها و أضاءته
ما زالت في المعمل ولكن لا يوجد ضوء
منبعث من مدخل القبو كما تركته
كما أنها تسمع أصوات أقدام فوق رأسها وكأن أحدا
ما موجود في المنزل
صعدت السلم المؤدي لمدخل القبو ببطء
واذا بها تصطدم مرة أخرى بخيوط العنكبوت
وعندما اقتربت من باب القبو سمعت أصوات أطفال يلهون
وصوت أب يتحدث في الهاتف وكان نفس
صوت المالك السابق الذي باعها المنزل
فهمت على الفور أن الآلة تعمل و أنها الآن قد عادت عام كامل للوراء
وأنها فعليا لم تشتري المنزل بعد في هذا التوقيت
حرصت وهي تعود للآلة ألا تصدر أي صوت
وبعد إعادة التجربة كانت في المعمل عند نفس النقطة
الزمنية التي انطلقت منها مسبقا

تنفست الصعداء ثم انتابتها نوبة ضحك هستيرية

أول ما خطر ببالها أن تزور نفسها وهي صغيرة
لعلها تستطيع أن تحذرها و تساعدها مما سيلحق بها

صعدت لغرفتها مهرولة تجهز أغراضها و بدأت تكتب كل النقط
التي تريد أن تخبر نفسها بها في الماضي
تزاحمت كل الأحداث في رأسها
إنها تريد أن تنصحها بألا تتزوج عزيز .. و سوف تخبرها أنه سيتركها بعدما يُغرم بأحد طالباته في الجامعة ... هي التي تخلت عن رغبتها في الإنجاب من أجله .. وسوف تخبرها بألا تترك دراسة الموسيقى التي
تعشقها منذ نعومة أظافرها
وستخبرها ألا تترك صديقة عمرها وحيدة
تلك الليلة التي انتحرت فيها وفارقتها بعد نوبات
عنيفة من الاكتئاب والعُـزلة

ولكن السؤال هنا إلى أي مرحلة عمرية تذهب ؟
أخذت تتأمل صورها في مراحل عمرها
المختلفة بدأً من عمر الست سنوات
يا الله .. هل ستتفهم تلك الطفلة صاحبة
الضفائر السوداء و العيون البريئة كل ما ستقوله لها ؟
أم تذهب للفتاة الطائشة صاحبة السبعة عشر عاما ؟
وهل ستصدقها ؟ ربما إن أخذت معها
تلك الصور و بعض الأسرار التي لا يعلمها إلا هي
حسنا فليكن الأمر كذلك ولتكن الفتاة صاحبة العشرون
عاما هي الأختيار الأمثل
ثم ذهبت بخيالها بعيدا وتذكرت كيف كانت تكره
دراستها في الجامعة و كيف كانت تنجح بالكاد في الإختبارات
وكيف تأثرت علاقتها بوالديها منذ ذلك
الحين لأنها اعتبرتهما السبب وراء ترك دراسة الموسيقى
والآن قد أتتها الفرصة كي تصلح ما فاتها

ولتكن رحلتها التالية إلى زمن هذا العالِم الذي
تَملّكها الفضول و الشغف لمقابلته
وربما تستطيع مساعدته أو السفر به حيث يريد

أحضرت حقيبة صغيرة ووضعت بها ما سوف تحتاجه
من أغراض ولم تنسى كاميرتها الرقمية و العديد من البطاريات
للمصباح وصورها القديمة و لم تنسى أيضا صورة عزيز
ثم فتحت صندوق الحليّ الذهبية الخاص بها
والتقطت منه بعض القطع لأنها لو احتاجت للمال
فلن تجدي تلك الأوراق التي تحملها نفعا

قبل أن تهم بالنزول للقبو تذكرت والديها مرةً أخرى
فقد لا تستطيع مقابلتهما مرة أخرى
ومن يدري ربما يحدث أي خلل في الرحلة فيكونا
قد فقداها إلى الأبد
لذلك أجّلت رحلتها يوما آخر على أن تذهب لرؤية
والديها و الاطمئنان عليهما وإخبارهما
بأنها ستسافر لبعض الوقت بغرض السياحة

هكذا كانت قد فرغت من ترتيب الأحداث القادمة
ثم خلدت إلى النوم

رأت عند باب الغرفة شخصا ما يقف في الظلام
فقامت منتفضة و أضاءت المصباح المجاور لها
وجدتها سيدة عجوز بملابس أنيقة وشعر أبيض وكانت تتكئ على عصا وتقف بصعوبة بالغة
كانت العجوز تنظر لها وهي مبتسمة
سألتها وهي ترتجف و قد جف حلقها من أنتِ وماذا تريدين
قالتها وهي تتحسس هاتفها المحمول لتطلب الشرطة
قالت لها العجوز : أولم تعرفينني ؟
نظرت إليها ملياً ثم قالت هل هذا معقول ؟
قالت العجوز نعم معقول .. إنني أنتِ على كل حال .. لا تتعجبين
من شيخوختي .. فأنا الآن في الخامسة و السبعين .
لقد حضرت لزيارتك
قالت لها : لماذا ؟ وماذا تريدين ؟
قالت العجوز أليس من الغريب أنك تفكرين في زيارة الماضي ولم يخطر
ببالك أن تزورينني في المستقبل ؟ على أي
حال لقد قررت أنا الحضور لمساعدتك .
ردت : مساعدتي في ماذا .. ؟
قالت العجوزة : ربما تودين أن تعرفي أشياءً ستحدث لكِ
أي الأمراض
ستصيبك و أيها كاد أن يقضي عليكي
وربما حذرتك أيضا من حادث أليم سوف يصيبك
وتخرجين منه بساق شبه مشلولة
وكم وَلدٌ سَيُرزَق عزيز من زوجته الثانية
ردت بوَهَن قائلة : كفى أرجوكي لا أريد أن أعرف
فضحكت العجوز بصوت عالٍ وقالت لها
مازال في جعبتي الكثير .. أظن أنك
تريدين أن تعلمي متى و أيٍ من والديك ستفقدين أولا
هنا صرخت في وجه العجوز لا لا
وترجتها أن تصمت وانهارت باكية
قالت لها العجوز أنت الآن تنظرين إليّ على أنني الشيطان بعينه ؟
أو أنني عجوز شريرة أتت لتكدر صفو حياتك ؟
لا فرق بيننا إذاً .. و لتعلمي جيدا أن الأقدار لا تتغير

استيقظت من النوم وهي تبكي بصوت
عالٍ ثم ما لبثت أن هدأت و أدركت أنه
كان حلما ليس أكثر

ظلت في مكانها دقائق وهي تنظر للباب الذي
حلمت بالعجوز تقف عنده .. كان جسدها يرتعد
وعيناها شاخصتان رغما عنها

ثم قالت لنفسها .. هذا ما كنت سأفعله إذا بنفسي
إن هذه الآلة ملعونة

وفجأة قامت من مكانها وركضت في أنحاء البيت تبحث عن
أي شئ ثقيل فلم تجد
فهرولت خارجة إلى الحديقة و أحضرت حجرا ثقيلا
ونزلت مسرعة إلى القبو ثم انهالت على
آلة الزمن تكسرها بكل قوتها وهي تقول
ماذا كنت سأفعل بنفسي
لم أكن لأغير القدر بل سأزيد آلامي
فالتذهبي للجحيم أيتها العجوز
ولم تهدأ إلا وقد تحولت الآلة إلى حطام
نظرت ليديها فكانتا ملطختان بالدماء

جلست على الأرض تلتقط أنفاسها و تعيد ترتيب
خصلات شعرها بيدين مرتجفتين حتى امتزجت قطرات العرق على جبينها بالدماء

قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) صدق الله العظيم – الأية 101 سورة المائدة

تمت


بقلمي
شخابيط